الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
85
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
وإذا ما قيل بعد هذا : أن سورة البقرة مدنية باتفاق ، قلنا معناه : أن أغلبها لا كلها ، أو إن القاعدة أكثرية لا كلية ، فقد يكون بعض السور مدنيا وفيه : يا أَيُّهَا النَّاسُ كسورة البقرة ، وقد يكون بعض السور مكيا وفيه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كسورة الحج . تأكيد وتقرير لهذه المطالب الثلاث : نعم أكد القرآن الكريم هذه المطالب الثلاثة ، حيث أورد اللّه تعالى عقب تلك المطالب تعداد النعم العامة لجميع بني آدم ، حيث قال جل شأنه : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ إلى قوله سبحانه : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 28 ، 29 ] ، فقد سيقت هاتان الآيتان تعدادا لنعم بني آدم ، وهذه النعم تقرر دليل الوحدانية من حيث إنها أمور حادثة لا بدّ لها من محدث منفرد بوجوب الوجود ، وصفات الكمال ، وتقرر دليل المعاد أيضا من حيث إن تلك النعم مشتملة على خلق الإنسان وأصوله ، فإنهم كانوا في الأصل أجساما لا حياة لها ، عناصر وأغذية ، وأخلاطا نطفا ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة ، تامة الخلق ، وغير تامة الخلق ، ثم أحياها اللّه تعالى بخلق الأرواح ونفخها فيها ، ومشتملة على خلق ما هو أعظم من ذلك ، وهو ما في الأرض والسماوات ، ولا شك أن من قدر على خلق هذه الأمور ابتداء قادر على خلقها إعادة . وأما تقرير نبوّة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيؤكده ويقرره قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، إلى آخر القصة من حيث إن نبينا ، عليه الصلاة والسلام ، أخبر عن أحوال آدم وحواء ، وما وقع لهما من الحوادث والجزئيات التي لم يقف عليها إلا من له المعرفة بالكتب السماوية ، فإنها مذكورة فيها ، وهو عليه الصلاة والسلام ، نشأ بين قوم أميين ولم يعرف بالاختلاف إلى أحد من أهل الكتاب ، ولم يكن له معرفة بألسن الذين ذكرت القصص في كتبهم ، ولم يغترب عن وطنه مدة يمكن التعلم منها ، ولم يوجد النكير ممن له المعرفة بالكتب في شئ مما أخبر به . فدل ذلك على أنه علم من طريق الوحي من اللّه تعالى إليه ، فكان ذلك دليلا قطيعا على نبوّته ، إذ لا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى ومن ارتضاه لرسالته ، فيظهر الغيب عليه ليبلغه إلى الخلق لينتفعوا بما فيه من إصلاح دينهم ودنياهم .